أبو حامد الغزالي

3

محك النظر

التقديم لا غرابة في أن يتميّز الإمام الغزالي ويلقّب بحجة الإسلام وفيصله . ولا سيما إذا ألقى الباحث نظرة فاحصة على بيئته وظروفه ، حيث سيعثر على جملة من الاضطراب الثقافي والاجتماعي ، بل ويمكن القول المعرفي ، إذ تقاطعت عنده وبه مجموعة التيارات المعرفية والفكرية التي سادت ساحة المشرق معبّرة عن ذاك الاختلاط المعرفي والثقافي الموروث والحادث معا . وإن السابر لكتب أبي حامد يعثر على شيء من التعارض والتباين بين قريب للفلسفة بأسها اليوناني وبين عالم في التوحيد ، بين ممجّد معظّم للفكر العقلي المنظّم وبين آخذ بضرورة الحدس الوجداني والإلهام الصوفي النوراني . ولعلّ هذا السابر يلقي نظرة على السطح ويقرأ قراءة أولية ، إذ القراءات المتتالية تكشف الغطاء عن ذاك التقاطع المعرفي الذي التقى عند الغزالي ، بينما هو في عمق كتاباته متبن للفكر العقلي الملتزم بحدود الإيمان فرضية ومسلمة أولى للانطلاق ، هذا من جهة ، ومن جهة ثانية ، كان الغزالي فيلسوفا آخذا بالمنحى العقلي في إطار المتناهي وبالاتجاه الحدسي الإلهامي في إطار اللامتناهي إذ العقل يعجز في ذاك الأفق عن التحديد واليقين والنظم الصارم . إن ميزة الإمام الحجة هنا ذاك السفر الذي بين أيدينا وفيه نعرج من المعاني اليونانية إلى المعاني الإسلامية ليس بتحوير إنما بغرس وتطبيع